عندما تحب.. تختلف ثوابت عالمك، تختل مدارات تفكيرك، ويتغير أفق رؤيتك..
عندما تحب.. سيختلف تعريف كل الأمور في حياتك، لا السعادة هي السعادة التي تعرفها، ولا الحزن هو الحزن الذي شعرت به سابقًا، ولا الحب الذي تعيشه هو ذاته الذي قرأته في القصائد والخواطر والروايات!
عندما تحب.. ربما يكون كل ماتحتاجه ورقة وقلم لتصل أقصى درجات التأمل! ستكتب اسمًا، وتتأمل أحرفه بدهشة، كطفل يتعلم الأبجدية!
عندما تحب.. سيختفي من عالمك كل الضجيج، تخفت جميع الأصوات وتنتهي النداءات الموجهة إليك قبل أن تصل لأذنك، صوت وحيد، بات يعرف الطريق لقلبك جيدًا، صوتٌ وحيد، يعيد لك الحياه..
عندما تحب.. ستدرك كم هو ممتع اضطراب النبض واختلال التنفس إثر كلمة تسمعها.. أربعة أحرف فقط كفيلة بخلق ثورة في جسدك لتنتفض فرحًا!
عندما تحب.. سيختلف صوت الموسيقى وطعم الدمع ولون البحر، ستتشكل حواسك لتتكيف مع عالمك الجديد..
عندما تحب.. سَيفرّ الكره من قاموس مشاعرك، حتى إن حاولت افتعاله، سينتهي بك المطاف بمزيد من الحب!
عندما تحب.. ستدرك أن كل ما كُتب في الحب لم يكن يعنيك، فحبك أنت وحدك من يصنع تفاصيله، ولم يسبق أن تشابهت التفاصيل.
كَتَبْتُ أوّل أسطري، ومسحتهُ.. أردتُ أن أبدأ من حيث بدأنا، عندما كنَّا معًا، ونسيت!
هل حقًّا كنّا معًا؟
سأبدأ من نافذة الانتظار التي تركتني معلّقةً على أحدِ أركانها كنبتة، أظنّّك كنتَ تسقيها حُبَّك العذبَ صباحًا، وذكّرني.. أكنتَ تغنِّي لها مع الغروب؟ هل كنتَ تُسامرها ليلًا؟ أفعلت؟
وغبت! ونسيتَ -أو تناسيت- أن الزّمن لايقفُ لأحدْ، بل يسير كجرافة تسحقُ الآمال وتُهشِم الوعود..
ومضت نهاراتٌ كانت تقتاتُ فيها على بقايا الأمل، تليها ليالٍ يقضّ مضجعَها الحنين.. تجلدها بقسوةِ رياح اليأس، ويسلب منها برد جفاك قدرتها على التّنفُس!
ذبُلتْ، وبكل بساطة.. بكل بساطةٍ
ماتت!
هيَ أدركَتْ متأخّرًا، أن من يهديك الحياة، يستطيع سلبها منك!
يفتح عينيه للمرة الأولى خارجًا من رِحمِ الظلام إلى وميضِ عالمه الجديد..
وبحنوّ تحمله أيدي العاشق. وبخشوع يرتل في أذنه تعويذة الحياة.. “أحبك.. أحبك.. أحبك” لتكون أول ذكره في الدنيا، وآخرها إن رحل!
وينمو ذلك القلب، زاده الحب، وفي أحضان عاشقه يتعلم الجلوس متكئًا على حنانه، ثم يقف مستندًا على صدقه، ويقف كعاشق بدوره، يخطو باللهفة خطوته الأولى، يتعثَّرُ بأول حاجز شوق، يُسقِطه الحنين! يغفو بالانتظار، حتى تمتد له أيدي من أحياه، لينهض من جديد..
ينطق كلمته الأولى بقُبلة، يتعلم أبجدية تتكون من اسم عاشقه، فلا يتحدث إلا به، ليكون أول من يناديه، وآخرهم، وان أضافت له الحياة المزيد من الأحرف!
ويكبر القلب بالحب، كما وُلد به، به يتحدد عمره، ومراحل حياته، يشيب سريعًا إن أهمِل، يمرض إن تعرض لبرد الجفاء، يقتله الغياب!
وتبقى قلوبنا حيَّة حتى يموت الحب، فتموت، ولكن كل تراب النسيان، لن يكفي لدفنها!
الناس عمومًا يميلون إلى الاعتقاد بأن السعادة هي ضربة حظّ، تنزل على المرء مثل الطّقس الجميل إن كان محظوظًا بما يكفي. ولكنّ السعادة لا تأتي هكذا، بل هي نتاج مجهود شخصي. على المرء أن يحارب لأجلها، يكافح لأجلها، يصرّ عليها، وأحيانًا أن يجوب العالم بحثًا عنها.
نرتكب بحق أنفسنا ذنبًا لا يُغتفر، عندما نحصر سعادتها في حدث، شخص أو رغبة معينة. فنحن بذلك نحرمها التفاصيل الأخرى الممتعة، نشغلها عن العديد من أوجه الجمال حولها، نصرف نظرها عن أمور تستحق أن يُنظَر لها في سبيل أمرٍ واحد رهناه -حماقةً- بسعادتها!
أعد النظر في تفاصيل أيامك، اعقد هدنة مع ذاتك وابحث عن سعادتك، ستجد مايجلعك تبتسم حين يعبس الجميع، وتضحك بصوت مرتفع عندما تكون وحيدًا..
ابتسم لمرآتك صباحًا، تلذذ بتناول الأشياء التي تحبها في كل مره، ضع عطرك المفضل عندما تكون وحيدًا، كن جميلًا لذاتك وأحسن تقديرها لأنها أكثر من يستحق التقدير وأنت الوحيد القادر على اسعادها.. ووحدها ستبقى لك حين يرحل الجميع..
سعادتنا نحن وحدنا من نمنحها لأنفسنا، نحن من نبحث عنها لأجلنا، ونستمتع بها.. وتذكر أنك لن تحصل على السعادة إن لم تُردها لذاتك، ولو كانت كل الدنيا حولك توفر لك سُبلها..
يُبدّد يأسُها أملًا غضًّا، تمامًا كما تبتلع الظُلمة ضوءَ هلالٍ وليد يُحاول جاهدًا ايجاد مكانه في السماء..
ليلةٌ تغفو فيها النجوم، يبكي فيها الشجر، نسماتها تبدو كأنفاس عازف نايٍ حزين يستحضر كل معاني الألم لينفثها بجمال!
ليلةٌ تذوب إثر حزنها الروح، يتلاشى في ظلالها ماتبقى من السعادة، يختفي من ملامحها الفرح كما تختفي الخطوط المبدئية في لوحة الرسَّام تحت طبقات الألوان..
ليلةٌ أَبَت إلا أن تُوثِّق وحدتي وتغتال بكل قسوَةٍ ابتسامتي، ليلةٌ تجلّى فيها ضعفي وخارت قُوَّتي..
ليلةٌ استنجدت منها بحبري وورقي، فاختلط الحبر بالدمع ورسمتُك على الورق.. هربت فيها منك.. إليك، بدت لي ملامِحُك في كل أحرفي، قتلني شوقي مراتٍ عديدة، وأحيتني عزّتي.. ولازلت أترنح بين هذا وتلك غارقةً بحبك!